المقر الرئيسي لمكتبة مصر العامة بالدقي ملاذ ثقافي وإنساني لكبار السن وشريك للتنمية المجتمعية
مقدمة
تجسيدًا لرؤية مكتبة مصر العامة في تحويل الصروح الثقافية إلى مراكز تنمية مجتمعية شاملة، شهد المقر الرئيسي للمكتبة بـ الدقي (4 شارع جمال حمدان، بجوار مجلس الدولة) خلال الفترة من 2023 إلى 2026 قفزة نوعية في خريطة خدماتها التفاعلية. فلم تعد المكتبة مجرد قاعة تقليدية للاطلاع والمطالعة، بل تحولت إلى ملاذ دافئ ومصنع للأمل لكبار السن والمتقاعدين، لتقديم الدعم النفسي والتمكين الرقمي والفني تحت مظلة مفهوم “الشيخوخة النشطة” (Active Ageing).
وعلى ضفاف النيل، وفي مبنى الفيلا الأثرية المطلة على شارع النيل بحي الدقي، تواصل المكتبة رسالتها التي انطلقت منذ افتتاحها عام 1995 كثمرة تعاون مصري ألماني بين وزارة الثقافة المصرية وصندوق التنمية الثقافية من جهة، ومؤسسة برتلسمان الألمانية وجمعية مصر للثقافة وتنمية المجتمع من جهة أخرى.
بالصور
لم تقتصر هذه الجهود على الأنشطة الذاتية، بل امتدت لتشهد شراكات إنسانية وثقافية وثيقة مع مؤسسات المجتمع المدني؛ وعلى رأسها جمعية «سحر الحياة» لدعم مرضى السرطان وأسرهم، ومؤسسة «جولدن ييرز» للتنمية المجتمعية، بهدف دمج كبار السن وبطلات التعافي وأسرهن في نسيج ثقافي وفني متكامل.
أولاً: قسم “الكبار” والتسهيلات المكانية لكبار السن
نظام العضوية بمكتبة مصر العامة مقسّم وفق فئات عمرية أربع:
الأطفال من 3 إلى 16 عامًا.
الشباب من 17 إلى 30 عامًا.
الكبار من فوق 30 وحتى 60 عامًا.
كبار السن من سن 60 عامًا فأكثر.
وقد خصصت المكتبة لكبار السن باقة اشتراك سنوي رمزي لا تتجاوز 25 جنيهًا مصريًا فقط (وهو أقل من رسم اشتراك فئة “الكبار” البالغ 40 جنيهًا، مع خصم إضافي نسبته 25% عند الاشتراك العائلي)، تشمل خدمات الاطلاع والاستعارة والدخول لكافة الأنشطة والندوات.
ويمنح هذا الاشتراك كبار السن حق الاستفادة من كافة خدمات المكتبة الرئيسية وفروعها بالزيتون والزاوية الحمراء، بالإضافة إلى المكتبة المتنقلة “مصر تقرأ”، وذلك من خلال قسم مخصص يعرف بـ “مكتبة الكبار”. يقدّم هذا القسم لرواده خدمات الإتاحة بنظام الأرفف المفتوحة، والبحث الببليوجرافي عبر أجهزة الفهرسة الذاتية، والإرشاد والرد على الاستفسارات عبر واتساب وتليجرام، فضلًا عن تقديم محتوى تعريفي مبسّط عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
البيئة المكانية في المقر الرئيسي بالدقي:
وفقًا للتنويهات المستمرة الصادرة عن إدارة المكتبة برئاسة السفير عبد الرؤوف الريدي وإدارة الدكتورة رانيا شرعان:
المساحات المفتوحة على النيل: إتاحة الحدائق والمساحات المطلة على كورنيش النيل لتكون بمثابة ملتقى اجتماعي يومي لـ “أندية القراءة وجلسات الحوار الحر” بين المتقاعدين.
خدمات الدعم المباشر: توفير فرق عمل متخصصة بمحيط قاعات الكبار والمكتبة الرقمية لمساعدة الرواد في البحث واستخدام الفهارس الإلكترونية وبنك المعرفة المصري.
ثانياً: شراكات التمكين والدعم الإنساني للمجتمع المدني
1. الشراكة مع جمعية «سحر الحياة» (الفن والعلاج بالعمل):
شكل التعاون المستمر بين إدارة الأنشطة الثقافية بالمكتبة وجمعية «سحر الحياة» نموذجًا ملهمًا للمسؤولية المجتمعية احتضن المقر الرئيسي بالدقي، ومن أبرز فعالياته:
معارض الأشغال اليدوية «بالفن نهزم السرطان»: تُنظم بشكل دوري لإتاحة الفرصة للمشاركات من كبار السن وبطلات محاربة السرطان لعرض منتجاتهن اليدوية (كروشيه، تطريز، مكرمية، صابون طبيعي، إكسسوارات) بهدف التمكين الاقتصادي والنفسي والدعم بواسطة “العلاج بالعمل” (Occupational Therapy).
ندوات التوعية الصحية والوقائية: تناولت الكشف المبكر والوقاية من الأمراض والتغذية السليمة لكبار السن بمشاركة نخبة من الأطباء، مع تفعيل المبادرات التوعوية مثل مبادرة “ذراعي خط أحمر”.
الأمسيات الترفيهية وحفلات التكريم: تنظيم أماسٍ ثقافية، وحفلات إفطار رمضانية، وتكريمات لحفظة القرآن وأبطال التحدي، ورحلات نيلية لتعزيز الروابط الاجتماعية ومحاربة العزلة.
2. الشراكة مع مؤسسة «جولدن ييرز» للتنمية المجتمعية:
تعد شراكة المكتبة مع مؤسسة “جولدن ييرز” المتخصصة في دعم كبار السن وتشجيعهم على الحياة الصحية والنشطة نموذجًا بارزًا للتعاون المتخصص، وشملت الفعاليات:
يوم عائلي متكامل: جمع بين الترفيه والتوعية، وتضمن ندوة طبية توعوية، وفقرة غنائية لكورال المؤسسة، وبرنش عائلي، وألعابًا ترفيهية، وعرضًا مسرحيًا تفاعليًا بعنوان “هو ينفع دلوقتي؟”.
المشاركة في رالي “Golden Years – الحركة بركة”: بحديقة الميريلاند لتشجيع كبار السن على النشاط، حيث قدم فريق المكتبة ورشة عمل لورود الساتان.
ندوة أدبية ونادي الكتاب: استضافة الكاتبة إيناس مصطفى للحديث عن كتابة اليوميات وتوثيق الرحلات.
ندوات الدعم النفسي والطبي (ضمن مبادرة “بداية”):
ندوة “ضغوط الحياة” للدكتورة مايسة عيد عفيفي (أستاذة الطب النفسي) حول استراتيجيات التعامل مع الضغوط اليومية.
ندوة “آلام المفاصل وطرق علاجها” للدكتور إسماعيل فتح الله لمناقشة طرق التشخيص والعلاج غير الجراحي.
فعالية “يوم للأسرة”: جمعت أفراد الأسرة من مختلف الأعمار، وتضمنت معرضًا للأشغال اليدوية يبرز مواهب كبار السن، وندوة توعوية، وفقرة كورال، وأنشطة للأطفال.
ثالثاً: الورش التفاعلية والتمكين الرقمي والفني لكبار السن
نظّم قسم “أنشطة الكبار” بالمكتبة الرئيسية عشرات الورش والدورات المفتوحة لمن هم فوق سن الثلاثين وكبار السن لتنشيط المهارات الذهنية والحركية ومواكبة التطور التكنولوجي:
ورش تحسين الخط العربي: دورات تدريبية متخصصة في خطوط (النسخ، الرقعة، والديواني).
الفنون والتعبير الإبداعي:
ورش الرسم بألوان الزيت، المائية، الفحم (البورتريه)، الجواش، والألوان الخشبية.
فنون الجلود الطبيعية، وصناعة الحُلي والإكسسوارات، ودبلومة فساتين السواريه والزفاف، وورشة تحويل الخرسانة إلى قطع فنية عصرية.
ورش الكروشيه، التطريز، البانش نيدل، الرسم على الزجاج والقماش، المكرمية، وتصميم الأزياء.
المهارات الإعلامية والتعبيرية: ورش فنون الكتابة لوسائل الإعلام (تقديم الكاتب شريف عارف)، ومبادئ التعليق الصوتي (الدوبلاج)، والتصوير الفوتوغرافي.
برامج الثقافة والأمان الرقمي: تنظيم جلسات تدريبية دورية بالتعاون مع قسم المكتبة الرقمية لتدريب كبار السن على التعامل مع المحافظ الإلكترونية، التطبيقات الذكية، والخدمات الحكومية الرقمية لحمايتهم من الاحتيال الإلكتروني وتسهيل معاملاتهم اليومية.
رابعاً: الندوات الثقافية وصالونات الدعم النفسي
شهدت أروقة المكتبة بالدقي تنظيم سلسلة منتظمة من الندوات الفكرية والتاريخية والاستشارات الجماهيرية:
1. صالونات الدعم النفسي واستعادة الشغف:
ندوة «الرشاقة النفسية»: للأخصائية النفسية والكاتبة نانسي صميدة، وتناولت بناء المرونة النفسية وتجاوز ضغوط ما بعد التقاعد.
ندوة «الحكم بعد الملاكمة»: ضمن صالون “افتح قلبك” مع الدكتور وائل وفاء، وتناولت إدارة الأزمات والتعافي من ضغوط العمر.
ندوة «مستقبل التعافي من العلاقات السامة»: وركزت على استعادة التوازن النفسي وحماية الذات.
ندوة «الفجوة بين الآباء والأبناء»: لمناقشة العلاقات الأسرية بين الأجيال.
2. الندوات الفكرية والتاريخية والأدبية:
ندوة “نشأة مدينة القاهرة” (بمناسبة مرور 1057 عامًا على تأسيسها) لتستعيد الذاكرة العمرانية بمشاركة رواد المكتبة المخضرمين.
ندوات “الإعلام المصري.. 66 عامًا من صناعة الوعي”، و**”من دولة يوليو إلى الجمهورية الجديدة”، و”سراي الزعفران ومتحفها الجامعي”، و”الشعر الفكاهي بين الماضي والحاضر”**.
مناقشات الكتب؛ مثل: “زمن سعاد”، “مدائن الضوء”، “كنوز من حجر”، وكتاب “أعطيت الكلمة.. عمري 65 عامًا في بلاط صاحبة الجلالة”.
الأمسيات الشعرية بحضور الشاعر د. أحمد تيمور، ومهرجان الإبداع العربي، ومعارض بيع الكتب الشهرية والمستعملة بأسعار رمزية.
احتفالية مرور 30 عامًا على تأسيس المكتبة خلال صيف 2025.
خامساً: شبكة التعاون المؤسسي والأرقام الإنجازية
توسعت مكتبة مصر العامة في عقد البروتوكولات والشراكات الاستراتيجية لتعزيز مكانتها التنموية:
بروتوكول تعاون مع وكالة الفضاء المصرية لتعزيز أنشطة مركز التدريب.
مذكرة تفاهم مع معهد التخطيط القومي لبناء القدرات ونشر المعرفة.
تعاون مع المعهد المصرفي المصري (برنامج التسويق الرقمي) ومع أكاديمية هواوي لإطلاق برامج تكنولوجية.
شراكة مع وزارة الأوقاف ضمن مبادرة “صحّح مفاهيمك”.
شراكات أكاديمية مع كلية الآداب – قسم المكتبات بجامعة القاهرة للتدريب الميداني.
المشاركات الوطنية: التفاعل مع احتفالية افتتاح المتحف المصري الكبير، ومشاركة المكتبة المتنقلة في مهرجان “ليالينا في العلمين”.
أرقام تعكس اتساع الرقعة (2025 – 2026):
بحسب البيانات الرسمية، حققت منظومة مكتبات مصر العامة على مستوى الجمهورية أكثر من 1.3 مليون زائر، و582 ألف عملية إعارة، وما يزيد على 9 آلاف نشاط ثقافي. فيما سجّل المقر الرئيسي بالدقي وحده مئات الفعاليات الثقافية شهريًا لتلبية احتياجات مختلف الفئات العمرية من الأطفال وحتى كبار السن.
خاتمة
إن المقر الرئيسي لمكتبة مصر العامة بالدقي يقدم نموذجًا متميزًا لكيفية دمج الثقافة والدعم النفسي والعمل الإنساني بالشراكة مع مؤسسات المجتمع المدني مثل «جمعية سحر الحياة» ومؤسسة «جولدن ييرز». وبفضل التسهيلات المكانية والبرامج التمكينية والمبادرات الرئاسية مثل مبادرة “بداية”، يُعاد تعريف مرحلة التقاعد وكبر السن بصفتها مرحلة عطاء وشغف وتجدد دائم تحت شعار «الوعي وجودة الحياة».
























